محمد الغزالي

346

فقه السيرة ( الغزالي )

بالنصف في زراعة الأرض ، فقبل ، ولم يجعل ذلك على الأبد مخافة عبثهم ، بل قال لهم : « إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم » « 1 » . [ نماذج من الشهادة ] : وحدث في إبّان المعركة أن عبدا حبشيا أسود كان يرعى لسيده اليهودي غنمه ، فلما رأى أهل خيبر يحملون السلاح ، ويتأهّبون للحرب سألهم : ما تريدون ؟ قالوا : نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي ، فوقع في نفس الرجل ذكر النبوة وصاحبها ، فأقبل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسأله : ماذا تقول ؟ وإلام تدعو الناس ؟ فأجابه : « أدعو إلى الإسلام ، وأن تشهد ألاإله إلا اللّه ، وأنّي رسوله ، وألاتعبد غيره » . قال : فما لي إن شهدت وامنت ؟ قال : « لك الجنة إن متّ على ذلك » ، فأسلم ، ثم قال : يا نبي اللّه ! إنّ هذه الغنم عندي أمانة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أخرجها من عندك ، وارمها بالحصباء ، فإنّ اللّه سيؤدّي عنك أمانتك » . ففعل ، فرجعت الغنم إلى صاحبها ، فعلم اليهوديّ أنّ غلامه أسلم ، ثم قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد تهيّأ الناس للقتال ، فوعظهم ، وحضّهم على الجهاد ، والتحم الفريقان ، فقتل العبد الأسود بين من قتل من المسلمين ، وحملت جثته إلى المعسكر ، فرووا أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اطّلع في الفسطاط الذي ضمّ جثمان الشهيد ، ثم أقبل على أصحابه يقول : « لقد أكرم اللّه هذا العبد ، وساقه إلى خير ، رأيت عند رأسه ثنتين من الحور العين ولم يصلّ للّه سجدة قط » « 2 » . وفي هذه الغزاة أذن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لمن تطوعن من النساء أن يخرجن معه . قال ابن إسحاق : شهد خيبر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساء من نساء المسلمين ، فرضخ لهنّ رسول اللّه من الفيء - أعطاهنّ يسيرا - ولم يضرب لهنّ بسهم « 3 » . وروى الإمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدّته أمّ أبيه قالت : خرجنا مع

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 5 / 17 ؛ ومسلم : 5 / 27 ؛ وأبو داود : 2 / 39 ، وغيرهم ، من حديث ابن عمر بمعناه . ( 2 ) ضعيف ، ذكره ابن كثير 4 / 190 - 191 ، عن عروة مرسلا ؛ ورواه البيهقي عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر نحو هذه القصة ، وشرحبيل كان اختلط ؛ ومن طريقه أخرجه الحاكم : 2 / 136 ، وصحّحه ، وتعقبه الذهبي بقوله : « بل كان شرحبيل متّهما » . ( 3 ) ذكره ابن إسحاق بدون إسناد ؛ كما ذكره ابن هشام : 2 / 242 عنه ؛ غير أنّه استدل على ذلك بحديث النسوة من بني غفار الآتي ، وهو ضعيف كما سنبيّنه .